ملتقى تقاسبم الثقافي السوري يحتفي بالشاعر صقر عليشي
في إطار الفعاليات الثقافية والفنية لمقهى تقاسيم الثقافي أقيم مساء السبت الفائت 25/7/2026 أمسية شعرية للشاعر صقر عليشي وذلك بحضور لفيف من محبي الشعر ومتذوقيه، وقد استهل الأمسية الأستاذ أحمد محمد بكلمة ترحيبية بالسادة الضيوف عرج خلالها على التعريف بالشاعر عليشي ونتاجه الشعري، وأشار فيها إلى غزارة إنتاج الشاعر حيث أصدر حتى الآن عشرة دواوين شعرية منذ "قصائد مشرفة على السهل" 1984 ، وحتى آخر دواوينه " نرجس بري" 2024، مرورا ب "ديوان السرار"1989، و"أحاول هذا الكلام الوثير"1990، و"قليل من الوجد"2000، و"أعالي الحنين"2003، و"عناقيد الحكمة"2007، و"الغزال" 2009، و"معنى على التل"2014، و"كتاب اللمحات"2023 كما اشار إلى البيئة التي ولد فيها الشاعر وتأثيرها في شعره عبر حضور مفردات الطبيعة الجبلية بصخورها وأشجارها وسمائها ورياحها وأشجارها وحيواناتها في مجمل قصائده، كما أشار إلى ظاهرة استنطاق الأشياء في شعر صقر عليشي فنسمع عبر قصائده أصواتا للنملة والبغل والإبرة والخيط وغيرها بالإضافة إلى استنطاق الأفكار كالحقيقة والحيرة والشك ، عدا عن حواره مع كبار شعراء العربية كالمتنبي والمعري وابن عربي وعروة بن الورد ونزار قباني والماغوط ومحمود درويش وغيرهم.
ثم تلى ذلك مداخلة نقدية مثرية للشاعر والأديب الأستاذ علم عبد اللطيف بعنوان "التطور الشعري الداخلي عند صقر عليشي" طرح فيها العديد من الأفكار حول الشعر والنثر والحداثة حيث ذكر أنه قد جرت العادة في أن يكون التمييز بين الشعر والنثر في حين أن التمييز يجب أن يكون بين النثر والنظم ذلك أن الشعر مفهوم واسع لاتحده القوالب فيكون منظوما تارة ومنثورا تارة أخرى، كما أشار إلى أن مسألة التجديد والتطوير والتحديث لاترتبط بزمن معين بل هي سنة حياة المجتمعات في الآداب والفنون والثقافة بوجه عام، حيث كل مرحلة اجتماعية تنتج معادلها الفني الذي يشبهها، كما عرج الباحث على تطور مشروع الحداثة الشعرية في أوروبا وفي المنطقة العربية حيث أشار إلى التجديد الذي أحدثه الشعراء الكلاسيكيون في القصيدة العمودية ك أحمد شوقي وبدوي الجبل وعمر أبي ريشة وغيرهم وذلك قبل أن تظهر قصيدة التفعيلة التي شكلت قفزة مهمة في التحرر من الشكل العمودي ، حين تحررت من عدد التفعيلات في البيت الشعري ومن التقفية المفترضة مع محافظتها على الوزن والإيقاع وأدوات القصيدة القديمة المتصلة بالتكرار والتوكيد والإطناب.
إلا أن دعوات التحديث لم تقف عند قصيدة التفعيلة التي اعتبرت ابنة شرعية للقصيدة الكلاسيكية وبرزت دعوات صريحة للقطيعة التامة مع القصيدة القديمة، ليس فقط التخلي عن الموسقة والإيقاع بل عن أدوات القصيدة القديمة وطرائق بنائها، ولكن وضعت قواعد جديدة للقصيدة الحديثة تتصل بالتكثيف والتوهج وعدم التكرار. كما أشار إلى أن الحداثة الشعرية لايمكن أن تنجح وتستمر مالم ينهض بها حراك تاريخي في المستويات الإجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالواقع هو الذي ينتج الفكر، وأن تعثر مشروع الحداثة بمستوياته المتعددة قد أدى إلى تعثر مشروع الحداثة الشعرية.
وقد لاحظ الباحث أن استمرار قصيدة العمود وقصيدة التفعيلة بتقديم شعراء كبار وهذا يؤكد قدرة القصيدة العمودية على تطوير نفسها وأدواتها وفي هذا السياق يظهر مشروع صقر عليشي الشعري من خلال إنتاج قصيدة العمود الملحمية الطويلة، كما في قصيدة الغزال التي تقدم مشهدية شعرية عالية، لاتقف عند الصورة والتصوير بل تمتد إلى التصور ، أما قصيدة "معنى على التل" فتقدم تموذجا متفردا في البناء الشعري، وبالمقارنة بين مشروع صقر عليشي ومشروع أدونيس في كتابه "ابجدية ثانية" نجد أن أدونيس قد اتخذ الحجر المنحوت حاملا لتقديم خطاب شعري مبتكر في نص شعري حداثي منثور،والحجر عنصر محسوس ، لكن صقر عبيشي قد اتخذ من المعنى حاملا لخطابه الشعري وهو تطور لايجوز تجاهله في البناء الشعري، فإذا كان أدونيس قد قدم نصوصا شعرية حداثية عالية المستوى فإن صقر عليشي قدم نصوصا شعرية مموسقة عالية لتطاول التل ولتسابق الغزال ولتحايث المعنى في أعماق الإنسان، وهذا يقودنا إلى الاستنتاج بأن قصيدة العمود ليست عاجزة عن تثديم الحداثة بوجود شعراء يتمكنون من تطوير قصيدتهم داخليا بشكل التفافي ومنجدل على ذاته، وكلما أنبتت الحداثة قناة ركب أمثال صقر عليشي وأيمن معروف وعبد القادر الحصني للقناة سنانا، فأمثال الشاعر الكبير صقر ضمانة لبقاء الشعر العالي وتطويره باستمرار.
ثم ألقى الدكتور واعد حسن مداخلة نقدية بعنوان "تجليات المغايرة في شعر صقر عليشي"، استند فيها إلى كتاب "اسطورة فينيفية" الذي يتضمن مختارات من قصائد الشاعر ، وقد قام الباحث بتقسيم مفهوم "المغايرة" إلى مستويين، الأول هو مستوى الرؤية الشعرية،والثاني هو مستوىالتركيب والإيقاع والصور، وأن مداخلته ستتناول المستوى الأول فقط حيث أن المستوى الثاني يحتاج إلى عمل طويل وهو ما لايتسع المجال له في هذه العجالة، وقد عرف الباحث مفهوم المغايرة بأنه الرؤية المختلفة للأشياء أو الرؤية المغايرة لما هو مألوف وشائع لها، ثم عرض الناقد بعض الأمثلة من قصائد الشاعر ومنها قصيدة "الذيل":
قال القوم بأن الذيل رديء
مذموم بالمجمل
ما كان قصيرا مختصرا
ظل كذكرى
أو ماكان طويلا مرسل
قال بهذا نفر مشهود لهم
بالعقل الراجح
لكن من بعد إحاطتنا الذيلية بالموضوع
تبين أن الظلم بحق الذيل جلي واضح.
ثم يعدد الشاعر في المقاطع التالية فوائد الذيل للطيور والحيوانات المختلفة وقدرته التعبيرية عندها فحركته تكون عند الكلب علامة تودد وعند الثور تعبيرا عن الغضب ، وهل تطير الطائرة دون ذيل؟ وكيف تتوجه الأسماك في البحر بغير ذيل. يشير الباحث إلى قدرة الشاعر على إبراز مميزات الذيل وأهميته وهذا يتعارض مع النظرة المتعارف عليها عموما.
ثم ألقى الشاعر صقر عليشي بعضا من قصائده التي لاقت استحسانا وتصفيقا من قبل السادة الحضور بعد ذلك أجاب الشاعر صقر عن بعض الأسئلة حول تجربته الشعرية ثم جرى نقاش حول تجربة الشاعر شارك فيه كل من السادة الدكتور محمد ابراهيم علي والدكتور سلمان ريا والشاعر كاظم أحمد والكاتب أحمد م أحمد بالإظافة إلى السادة الذذين قدموا مداخلات مكتوبة، وفي الختام عبر الجميع عن سعادتهم وحبورهم بهذه الأمسية الغنية.





ليست هناك تعليقات